خليل الصفدي

329

الوافي بالوفيات ( دار صادر )

ثمّ إنّ الأفرم سعى لها سعيها فجاءه التقليد بنيابة دمشق والتشريف واستمرّ تلك المدّة إلى أن حضر الناصر من الكرك في المرة الثانية . - قال القاضي شهاب الدين : وكان هو والجاشنكير متظاهرين لما يجمعهما من البرجيّة . قال : حدّثني والدي قال : دخلت يوما على الأفرم وهو في بقيّة حديث يتشكّى فيه افتيات سلّار وبيبرس « 5 » وما هما فيه والتفت إليّ وقال : يا فلان ، واللّه هذا بيبرس لمّا كنّا في البرج كان يخدمني وكان يحكّ رجلي في الحمّام ويصبّ عليّ الماء وإذا رآني واللّه ما يقعد إلّا إذا قلت له « اقعد » ، وأمّا سلّار فما هو منّا ولا له قدر . أيش أعمل في دمشق ؟ واللّه لولا هذا القصر الأبلق والميدان الأخضر وهذا النهر المليح ما خلّيتهم يفرحون بملك بمصر ! ثمّ قال لي والدي : إنّه لمّا تسلطن الجاشنكير عزّ ذلك على الأفرم ووجد في نفسه لتقدّمه عليه ، ثمّ رأى أنّه خوشداشه وأنّه أحبّ إليه من سلّار ، ثمّ كان يقول : واللّه عملوا نحسا ، كان ابن أستاذنا وهم حوله أصلح . ولم يزل على هذا حتى تحتّم الأمر فخاف القتل فانصرف بكلّيته إلى الجاشنكير . وكانت أيّام نيابته ممزّقة في الصيود ورمي النشاب والخلوة بنفسه ، ومع هذا لا يخلّ بالجلوس للأحكام والتصدّي لمصالح الإسلام وقضاء حوائج الناس وتحصين الحصون وتحصيل الحواصل وسدّ الثغور وملئها « 16 » بالذخائر والحواصل وعمارتها بالزّردخانات والآلات لا يزال يتقاضى هذا بنفسه ويتوكّل به حتى يكون ، إلّا أنّه كان رجلا يسمع كلام كلّ قائل ويبقى أثره في قلبه إلّا أنّه لا يرتّب عليه شرّا ولا أذيّة . وأبلى في نوبة غازان الأولى بلاء حسنا ، وقاتل قتالا عظيما . ولمّا وقعت الهزيمة على المسلمين وعاث فيهم أهل كسروان أثّر ذلك في قلبه ، فلمّا عاد إلى دمشق توجّه إليهم ونازلهم فلم يحصل منهم على طائل ، واشتغل بأراجيف التتار إلى أن

--> ( 16 ) ملئها : ملؤها ، الأصل . ( 5 ) بيبرس ، يعني بيبرس الجاشنكير .